حذّث احد الموظـّفين ...المنتـّفين ... في الارض, المريّشين , المقصوصة اجنحتهم , المثقوبة جيوبهم و المحمرّة حساباتهم البنكية و العياذ بالله ...قـال:
"...بعد خروج شهر الصيام و الاحتفال بعيد الاسلام , و بعد ان ضربتني السبادريات ... و هربت باموالي الدجينات ...و تبخّر تذكير الحكومة على الزيادات ... و ذهبت الشهرية و البريم , في المحافظ و الأدوات , فلم يبقى لي لا دينار و لا ملّيم ... ذهبت لرئيس الفرع البنكي استجديه ما يسدّ رمقي و رمق من معي , من العيال و أم العيال ... فجاد عليّ - لا بارك الله فيه - بعشرين دينارا لا غير ,و اوصاني بأنه لا يجدر بي ان أريه طلعتي (الحرفة) قبل رأس الشهر ..., و انه اذا لم احشم على "روحي" و احترم نفسي و أكرم لحيتي بيدي فإنه سيرفع أمري للقضاء... بحجّة اني تجاوزت كل الخطوط الخضراء منها و الحمراء...
فخرجت من عنده ألعن الكلاب و عيشة الكلاب و الزمن الكلب و الشهرية الكلبة و صاحب القول المأثور "شد في ذيل الكلب حتى يعدّيك من الواد " .
و في طريق العودة وجدت نفسي قرب السوق البلدية , فادخلت يدي الى جيبي , لا لأتفقّد هاتفي الجوّال أو استظهر ببطاقة الهوية , بل لأتحسس ورقتي النقدية (اليتيمة),و "اتهنّى " عليها و بها ...تشدّ أزري و ترفع ما انهار من معنوياتي ...
ثمّ دخلت...
ففاضت بي الأحاسيس و تداخلت الحواس , و اسكرني شذى الموالح و عطر الدوارة و نسيم المبسّس ... و حملتني الشهوات و حلّقت بي فوق السلع و القاجوات ... موز و عنب و تفاح و دقلة... يعطيها عزى الدنيا , دقلة فرشكة قبل شهرين من الصابة ... انه آخر الزمان أو علامة من علامات الساعة ... فرغبت في كيلو او اثنين , و كدت انسى نفسي و اقدم على المحظور , الا اني تجاوزت تلك المحنة , فورقتي المحروسة (في جيبي) لن تصمد جولة في وجه لافتة التسعيرة ... فاستخلفت ربي , و انسحبت , و اكتفيت بنور دقلة النور , "اشلل به عيني "و اسكت به شهوتي ... ثم مررت ببقية السوق على عجل , لا لضيق الوقت او خوف من قلق أو ملل , و لكن كي لا تشتدّ بي المحنة مرة أخرى , فأكون على ورقتي من النادمين و لـ خير الدين التونسي من المودّعين ...
فما شعرت الا بريح طيبة تقذف بي الى زاوية من زوايا السوق ليس لي بها عهد لا قريب و لا بعيد حيث تكدّس "ولد البحر" كبيره و صغيره احمره وازرقه بأسعاره التي لا تعرف الفواصل و التقسيمات...فـسألت نفسي متى كانت آخر مرة اكلت فيها للبحر ابنا أو بنتا ؟؟
متى كان ذلك ؟؟ و بقيت في مكاني أسأل نفسي حتى ضجر مني المارة و يئس منى الباعة و علموا أني لست بقادر على ما يبيعون من بضاعة ...
فاصطدم بي قط كبير الرأس (يبدو انه صاحب المكان) حتى كاد يسقطني على الأرضية المبللة ... فقلت له بلغة بني جنسه "كسسّ"
فرمقني بنظرة ازدراء و قال لي بلغة بني جنسي " شكون كسس ؟؟؟ انتي تقللي كسس؟؟ -ريت روحك- انت و ورقتك النقدية و سروال الفريب و السورية, و ساعتك الصّينية و -اذا حبّيت- بطاقة تعريفك الوطنية ... لا تساوون سمكة"
فدنكست رأسي و غلبت علي الذلّة أمام رباعي الأرجل ذاك, و افحمتني حجّته و سداد رأيه ... و شعرت بمرارة في حلقي...
و كلمّته بلغة القطاطس "صدقت يا كبير الهررة انت تأكل السمك ولا ترضى بغيره بديلا تفتّق به مواهبك يوميا , في حين يطمح الآلاف الى ما لا يرضيك من صغير السمك و دونه ... فبارك الله فيك و بارك الله في ترابك يا تونس و في بحرك أيضا ...فـ كول و "شيخ" بأسماك البلاد مع من يملكون الحبّ و الكعب... و لك عليّ ان لا اعود اليك و ان لا ترى فوقيرتي في مملكتك..."
ثمّ مضيت الى مزارع الدجاج (البلورية) ...حيث لا شذى و لا روائح طيبة...فذلك قدري و قدر من مثلي... من غير الكلاب و القطاطس